الغزالي
61
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
دعوه بخليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلمّا وصل الأمر إلى عمر كانوا يقولون يا خليفة خليفة رسول اللّه ، فكان يطول ذلك فقال : يا أيّها المؤمنون سمّوني أميرا ، فإني أميركم وإن دعوتموني أمير المؤمنين فأنا ذلك عمر بن الخطّاب . حكاية : سئل خازن بيت المال : هل انبسط عمر في بيت المال ؟ فقال : كان في أول الأمر إذا لم يكن له شيء يتقوّت به أخذ قليلا برسم القوت ، فإذا حصل عنده شيء أعاده إلى بيت المال . وخطب يوما فقال : أيها الناس قد كان الوحي ينزل في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكنّا نعرف به ظاهر الناس وباطنهم وجيدهم ورديئهم ، والآن قد انقطع الوحي عنّا ، فنحن ننظر من كل أحد إلى علانيّته واللّه أعلم بسريرته ، وأنا على الجهد وعمالي أن لا نأخذ شيئا بغير حق ولا نعطي شيئا بغير حق . فإن شئت أن تعلم أن عدل السلطان وتقيته سبب لجميل ذكره ، ونيل فخره ، فانظر في أخبار عمر بن عبد العزيز فإنه لم يكن لأحد من بني أمية وبني مروان مثل مدحه ومحمدته ، ولا يدعى إلّا له ، ولا يثنى إلّا عليه ، لأنه كان عادلا تقيّا كريما ، حسن السيرة تقي السريرة . حكاية : كان في زمن عمر بن عبد العزيز قحط عظيم ، فوفد عليه قوم من العرب ، فاختاروا منهم رجلا لخطابه فقال ذلك الرجل : يا أمير المؤمنين إنّا أتيناك من ضرورة عظيمة ، وقد يبست جلودنا على أجسادنا لفقد الطعام ، وراحتنا في بيت المال ، وهذا المال لا يخلو من ثلاثة أقسام : إمّا أن يكون للّه ، أو لعباد اللّه ، أو لك ؛ فإن كان للّه فاللّه غني عنه ، وإن كان لعباد اللّه فآتهم إيّاه ، وإن كان لك فتصدّق به علينا إن اللّه يجزي المتصدّقين . فتغرغرت عينا عمر بن عبد العزيز بالدموع وقال : هو كما ذكرت . وأمر بحوائجهم فقضيت من بيت المال ؛ فهمّ الأعرابي بالخروج فقال له عمر : أيها الإنسان الحر ، كما أوصلت إليّ حوائج عباد اللّه وأسمعتني كلامهم ، فأوصل كلامي وارفع حاجتي إلى اللّه تعالى ! فحول الأعرابي وجهه قبل السماء وقال : إلهي اصنع مع عمر بن عبد العزيز كصنيعه في عبادك ! فما استتمّ الأعرابي كلامه حتى ارتفع غيم فأمطر مطرا غزيرا ، وجاء في المطر بردة كبيرة فوقعت على آجرة فانكسرت ، فخرج منها كاغد عليه مكتوب : « هذه براءة من اللّه العزيز لعمر بن عبد العزيز من النار » .